لم أعرف الرقابات ولا الطرد، ولا المنع من منتدى، أخذتُ رقابة وحيدة في بداية عهدي بالمنتديات بمنتدى كووورة سودانية ولم أكُن أعلم بأن بعض الكلمات العادية ممنوعة، ولم أكُن أدري بقوانين الصحف والكتابة بألوان الأندية، فأخذتُ رقابة لأيامٍ قلائل، أدركتُ حينها ثقل القيود التي تسببها الرقابة على المشاركات، فعاهدتُ نفسي قبل عامين على ألا أُعاقب برقابة طيلة عهدي بالمنتديات، وقد كان والحمدُ لله، فخلال عامين ورغم مشاركتي في أكثر من 20 منتدى بالموقعين الكبيرين لم تعرف عضويتي الرقابة.
عرفتُ الكثيرين، واحترمتهم، وصرتُ سعيداً بالقراءة لهم ورؤية ردودهم ضمن المواضيع أو كتابتهم للمواضيع.
صرتُ أسيراً لهذه المنتديات، ومنحتها كل وقت فراغي حينما أُريد المشاركات والتفاعل مع الناس.
استفدتُ كثيراً، وتعلمتُ أكثر، وأكثر ما تعلمته وأفادني حتى في حياتي، ضبط النفس وعدم رد الإساءة وتجاهل الاستفزاز، والمرونة في التعامل، ومقابلة الإساءة بالإحسان، والرد على الكلمات المستفزة بالكلمات التي تُخجل المستفز، وبالتجاهل لبعض الردود التي يكون في تجاهلها قفل بابٍ للإساءة والجدل غير المفيد، وبعض المستفزين كنتُ أرى أن ردي عليهم فيه تقييم لهم، فكنتُ أتجاهل الكثير من الردود.

هذه المنتديات جمعت أصنافاً شتى من البشر، العالم والجاهل، ذو الأخلاق وعديمها، الصادق والكاذب، الذي يُعجبه الإبداع، والذي تقتله الغيرة ويحسد المبدعين، بمعنى، كل الأضداد والصفات المتناقضة جمعتها المنتديات، فكانت مدرسةً للحياة، علّمتني الكثير، وقدّمت لي تجارب ودروس مع مختلف الأجناس والعقول.
وبحمدِ الله، لم يترك أحد المنتديات بسببي، رغم أني تركت الكثير من المنتديات والمواضيع بسبب البعض، ليس ضعفاً في الحجة ولا قلة حيلة ولا عجز عن الرد، لكن لأن احترامي الشديد لنفسي والسمو بها عن الصغائر؛ أهم عندي من التواجد في منتدى أو موضوع لا يُحترم المُشارِك فيه ولا توجد فيه قيمة للرأي.

فكرتُ كثيراً، لو أن هذين الموقعين المميزين اللذين صارا جزءاً من حياتي تم قفلهما أو لو دخلتُ على النت ولم أجدهما، ولم أستطِع تخيُّل اختفاء جزءٍ من حياتي صار يجمعني بأحباء وإخوة وأصدقاء، لا غِنى عنهم ولا عن آرائهم وأفكارهم ومواضيعهم وطرحهم الهادف.

التحية لكل من يُساهم في رفعة وتطور ورُقي هذه المنتديات بالموقعين المميزين كووورة وستارتايمز، من مديره الأستاذ خالد الدوسري، مروراً بالمراقبين أو من ينوب عنهم، ثم المشرفين، ثم الأعضاء، ثم الزوار الكرام، كل تلك المنظومة الراقية تمثل جزءاً مهماً في حياتي جعلني أستمر لأصل لأكثر من ألف يوم بالمنتديات داخل هذه الموقعين المميزين.


هذه بعضُ كلماتٍ في حق المنتديات، كلمات بحروفٍ صادقة تمثل لمسة وفاءٍ.

معروف الهلالي رمزٌ من رموز هذا المنتدى وأحد أعضائه المميزين، معروف معروفٌ بأخلاقه ووضوحه وصدقه وتميزه، هجر المنتدى وترك حسرةً في النفس لرحيله، علامة الصلاة التي تزين جبينه تعطيك عنوان قلبه الصادق الواضح الذي لا يُجامل ولا يُنافق ولا يتلوّن.
وقبل الفواق من صدمة رحيل معروف، رحل الأخ أحمد محمد الحاج كذلك، أحمد ورغم حداثته بالمنتدى لكنه نثر الإبداع بلا توقف، فكان عضواً نشيطاً ومميزاً ومبدعاً في صياغة الحروف والكلمات.
لا أُريد الخوض في مسببات الرحيل، لكن أتمنى أن نحتوي الإبداع، لا أن نفرغ المنتدى منه، فلربما أُخطئ مع إنسانٍ أو يُخطئ معي في الرأي فقط ليس إلا، واختلاف الرأي لا يُفسد للودّ قضية، لكن الاستفزاز والإساءة يفسدان القضية نفسها ناهيك عن الود.
والبشر يختلفون عن بعضهم في درجة تحملهم للحوار والنقاش، لكن، لا أحد يقبل الإساءة، وبعضنا من لا يستجيب للاستفزاز، وله حق الرد ولو بالمثل، لكن الترفع في رأيي أفضل وأكرم للإنسان من مجاراةٍ تقود لِما لا تُحمد عُقباه.
لا نريد رحيل عضوٍ عن هذا المنتدى، فهناك أعضاء رحيلهم يُعدُّ خسارةً للمنتدى، وبعض الأعضاء وجودهم ورحيلهم سواء، ولا يشعر بهم أحدٌ إن رحلوا.
فلنحرص على أن نكون من رموز المنتدى، وأن نحترم بعضنا، وآراء بعضنا، يُمكننا المناقشة والاختلاف في الرأي بكل أدبيات الحوار، لكن تجاوز الآراء والتوجُّه للشخوص فذاك يجعل الكثيرين يرحلون، أتمنى عودة كل من هجر المنتدى وفارقه، فهذا البيت الكبير الذي يجمعنا يستحق منّا بعض الصمود، وبعض التسامح والكثير من الغفران.
غداً نرحل جميعاً، ولن تبقى سوى الذكرى،
فلنحرص على ترك ذكرى جميلة تجعلنا بقلوب وعقول الكثيرين هُنا، في كووورة سودانية.