باسمه الشهيد...
معايير النجومية
___________________________________________________________________
لو حاولنا أن نتخيل حجم الأعداد البشرية التي خلقها الله منذ آدم عليه السلام
إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها
كم عدد البشر؟؟
إنه مما لا يتخيله العقل
لكن الذي من الممكن أن يتخيله العقل
هو كم من كل هؤلاء ظلت ذكراهم راسخة في عقول الناس
إنهم قلة قليلة
ففي كل مجال وفي كل تخصص تظل بعض الأسماء راسخة وثابتة لا يمكن أن تُلغى أو أن تُنسى
فإذا ذُكر الشعر كان المتنبي والنابغة وأحمد مطر ونزار والسياب...
وإذا ذُكر القادة
كان محمد (عليه السلام)
وكان بعده بمسافات عمر وعلي وخالد ونابليون والاسكندر وصلاح الدين.....
وإذا ذُكر الكرم كان الطائي فارساً
وإذا ذكر البخل كان الحطيئة علماً
والواقع الرياضي ليس بمنأى عن هذا الكلام
فإذا ذكرت كرة القدم
من ينسى بيليه ومارادونا وبيكنباور وديستيفانو ورونالدو وزيدان ورونالدينو
قد يتم الاختلاف في جزيئات تتعلق بكل من هؤلاء
وأفضلية كلٍ منهم
لكن من المحتَّم عدم الاختلاف في أن كل هؤلاء هم أعلام ومنارات
لا يمكن أن يُحجب نورها بأي حالٍ من الأحوال
والغريب أن هؤلاء النجوم لا يستطيع الإنسان أن يدرك كيف يسطع نجمهم فيسير خلّاقاً يأخذ بمجامع القلوب
فتجد الناس يقولون "هذا نجم" بداهةً
ما السر لا أحد يدري
بمعنى ما هو المعيار الذي نستطيع من خلاله أن نحكم بنجومية فلان أو عدم نجوميته
وما هو المعيار الذي نحكم من خلاله على أفضلية شخص على آخر بعيداً عن
العاطفة والأهواء والميول والرغبات والاتجاهات
الحقيقة أن الحكم في مثل هذه المسائل الرياضية لا يختلف عن أي مجال آخر
بمعنى أن أسس معايير النجومية في الرياضي هي نفس أسس معايير نجومية
الأديب والشاعر والممثل والفقيه والقائد والمطرب والعالِم، هيَ..هيَ
وهذا يستلزم منّا أن نحدد هذه المعايير الأساس
والذَين نراهما
الموهبة والاجتهاد
أما الموهبة فهي تشمل الجانب الإبداعي الخلّاق الذي يتميز به إنسان عن إنسان
والذي يبثه الله في إمكانات البشر كمنحة ربانية إلهية
لا تأتي من تَعَلُم أو خبرة أو ممارسة
بل تُولد يوم يولد هذا الإنسان
معه وإليه وحده
فإذا بدت معالم هذه الموهبة في هذا الإنسان
وجب الاعتناء والاهتمام بها وتربيتها وتغذيتها بالممارسة والعرق
وهذا هو الأساس الثاني من أسس النجومية- الاجتهاد-
أي بذل الجهد والعرق في إظهار هذه الموهبة ليراها الناس فيقبلوها أو يرفضوها
وعموماً فإن هذين الأساسين-الموهبة والاجتهاد- لا ينفصلان عن بعضهما مطلقاً
بمعنى كي تكون نجماً
يجب أن تتوفر لديك ملكة الإبداع وهي الموهبة مضافاً إليها جهدك وعرقك وتصميمك ودوافعك القوية
فالموهبة وحدها لا تكفي
ولعل اللاعب البرازيلي دينلسون هو خير مثال على ذلك
فمن ناحية الجانب الإبداعي
–الموهبة-
فهو يمتلك موهبة مهارية لا يضاهيه فيها كثير من نجوم كرة القدم
بمن فيهم الأسماء التي ذكرناها سابقاً
ولكن عدم الجدية وربما الاستهتار والاستعلاء على العرق والجهد
أفقد هذا اللاعب إمكانية النجومية والظهور والإقناع
وباعتقادي أنه من الذين لن تتشرف الذاكرة الكروية بذكرهم كثيراً في المستقبل
وعلى الجانب الآخر فإن الجهد وحده لا يكفي إن لم يرتكز على موهبة غريزية في داخل هذا الإنسان
وعلى خلاف ما قاله أديسون
"من أن النجاح يدين للعبقرية في جزء من المائة، ويدين في التسع والتسعين الباقية إلى الجهد والعرق"
فإن الموهبة تظل ركن أساس ومهم وكبير في صياغة النجومية والنجاح
ولو ظل اللاعب الإيطالي "قاتوزي" مائة ألف عام يلعب ويحرز الألقاب
فلن يعتلي في يوم من الأيام عرش النجومية السامي..
***
أما مسألة الأفضلية لنجم على نجم آخر
فهي من ضمن الأشياء التي يقبل العقل الاختلاف فيها إلى حدود معينة
ولعل السبب الرئيس في ذلك
هو كون الموهبة أمر نفسي داخلي يصعب قياسه وملاحظته وتقديره بدقة
على خلاف الظواهر الطبيعية التي يستطيع الإنسان أن يقيسها ويلاحظها بدقة
فأنت تستطيع أن تقيس درجة حرارة الإنسان بدقة فتقول درجة حرارتهْ37 مثلاً
ولكن لا تستطيع أن تقيس درجة غباء أو ذكاء هذا الإنسان-لاحظ أمور نفسية داخلية-
فما معنى أن تقول درجة ذكاء فلان مائة أو ألف أو غيره
بالإضافة أن جميع مقاييس هذه الحرارة واحدة
سواءً تم القياس بالمقياس المئوي أو الفهرنهيت أو الكلفن
فإن إمكانية التحويل واردة
وأنت تتخيل درجة الحرارة تماماً بأي قياس من هذه المقاييس
ولكن كيف لك أن تتخيل مقاييس الأمور النفسية الداخلية مثل
الذكاء الغباء الموهبة العصبية الهدوء الصبر الاحتمال الغضب الحب الحقد..
القياس في كل هذه الأمور هو قياس غير دقيق
لأنك تعجز بحالٍ من الأحوال أن تحيط بهذه الصفات
ناهيك من أن تصمم لها اختباراً أو مقياساً لقياسها
ولذا ليس أمامنا في مثل هذه الأمر سوى خيار المقارنة والمفاضلة
بمعنى أن فلان أكثر موهبةً من فلان
ولكن ما هي كمية هذه الموهبة وما حجمها وما طولها وما عرضها وما وزنها.....
فإننا لا ندري
وعليه فإن الخلاف في أفضلية نجم على نجم تظل مقبولة إلى حد معين
فقد يوجد الأمهر لكنه ليس الأسرع
وقد يوجد الأنشط لكنه ليس الأقوى
وقد يوجد البطيء لكنه المعجز بمهارته
والناس في كل ذلك أذواق وبالتالي مختلفين
___________________________________________________________
الآن حمي الوطيس..
فهذا الكلام ينطبق على معظم النجوم الذين تشرفت ذكرياتنا بالاحتفاظ بأسمائهم
لكن يلوح في الأفق أشياء وأسماء تبدو معارضة لهذا الكلام ....فــــــ
رونالدو ينال لقب أفضل في العالم ثلاث مرات..أمر مقبول وفقاً لقاعدة الموهبة والاجتهاد
وكذلك زيدان..
وريفالدو مرة واحدة..هذا ممكن ولا تعارض
وروماريو كذلك
ولكن أين كانفارو من هذا الكلام..شق الاجتهاد تحقق ولكن شق الموهبة مثقوب بجدارة..هذا صحيح!!
وما حجم المهارة والموهبة التي يمتلكها لاعب بحجم بيكهامب لينال ما نال؟!
وهذا كلام وجيه.
ولاعب بحجم هنري كيف يضنيه المسير دونما التزين بجائزة من جوائز الفيفا؟؟!!
وهذا وجيه أيضاً
***
كل هذه الأسئلة والتساؤلات تحمل في طياتها الكثير من الواقعية الحقيقية
ولكن على الرغم من ذلك فإنني أجزم أن أيٍ منها لا يستحق في مجمله أن يكون استثناءً من القاعدة الأساس
(الموهبة والاجتهاد) ناهيك أن يستحق أيٍ منها أن يشوش على المفهوم الذي تقره القاعدة..وهذا بدوره
بحاجة إلى تفصيل..
أما كانيفارو ..فهو من ناحية الاجتهاد لا قدح فيه
ولكن عند الحديث عن المهارة يلوح ضباب كبير
وهنا تجدر الإشارة أننا عندما نقول المهارة أو الموهبة فإننا نعني معنىً محدداً بعينه
فاستلام الكرة وتسليمها الصحيح يعتبر مهارة لكننا لا نقصد في مقالنا هذا النوع من المهارة
وكذلك التسديد الدقيق بالقدم..والتعامل الجيد مع الكرات الهوائية..إلخ
لا.. فنحن حين نطلق لفظة المهارة فإننا نقصد المفهوم الذي يتبادر إلى الذهن عندما نقول أن فلان لاعب
مهاري..من باب إطلاق الجزء على الكل..
بمعنى مارادونا مهاري ورونالدينهو مهاري وميسي مهاري وكريستيانو رونالدو..إلخ
وعليه فإنه من المعلوم ضرورةً، أن كانيفارو لا ينطبق عليه مصطلح اللاعب المهاري
إذاً كيف اعتلى هذا اللاعب غير المهاري-منقوص الموهبة-قمة التصنيف الدولي للاعبي كرة القدم؟؟!
والجواب على هذا الكلام يثبت بالاستقراء
بمعنى عند التأمل بكل الجوائز السنوية التي منحتها الفيفا منذ العام 1991 إلى الآن ..
كان المنتخب الذي يجري منتشياً بعد الصفارة الأخيرة للمونديال، يحمل الكأس مضافاً إليها لقب اللاعب
الأفضل لذلك العام..
حدث هذا عام 1994 مع روماريو البرازيل..وعام 1998 مع زيدان فرنسا..
وفي 2002 كان مع رونالدو البرازيل ..وبالتالي عام 2006 كان لابد أن يكون مع أحد الوجوه
الإيطالية..ولأن إيطاليا بنمطيتها الأزلية نادرة الإسهاب باللاعبين المهاريين الموهوبين …كان كانيفارو..
ولا يٌقال أن هناك دلبيرو وتوتي..لا يقال هذا..
لأن دلبيرو الذي أحب ..لم يتسع وقت مباريات المنتخب الإيطالي له إلا في الأوقات القليلة
أما توتي فلم يكن في قمة المستوى..حتى وإن كان في قمة المستوى فهو ليس باجيو!!
كما أنه ينقصه الجانب الاجتهادي المهم.
إذاً كان لابد من لاعب آخر من المنتخب الإيطالي غير هذين الاثنين..وكان كانيفارو
وبالمناسبة كان كانيفارو وكان من الممكن أي يكون بوفون أو حتى بيرلو
ولكن في النهاية من سيستلم الجائزة واحد…وكان الاختيار على هذا الكانيفارو
***
أما بالنسبة لبيكهامب..
فهو يذكرني بذلك الممثل العربي الكبير الذي أبدع درامياً
فنجح في الانتخابات التشريعية ودخل البرلمان!!
ولا تدري ما علاقة السياسة بالفن..لكن هذا يحدث
فغدت نجومية ذلك الممثل-على الرغم من تدني مستواه الدرامي-
لها أكثر من بوق وأكثر من إطلالة
وعليه فبيكهامب..
من الناحية الاجتهادية لا بأس..أما المهارية فلا بأس أقل!!
ولكن ما هو التفسير للمكانة التي نالها والنجومية التي أسرها؟؟
والجواب بسيط من كون نجومية هذا اللاعب تخطت في معظمها كرة القدم
بمعنى أن النجومية التي تلف بيكهامب اليوم هي في الأغلب خارج الإطار الرياضي للنجومية
بدليل أنه حتى وهو في أوج توهجه لم يرتقِِ لمنصات الفيفا السنوية للأفضل..
الوسامة والأناقة كان لها دور
وكونه لاعب إنجليزي هذا أيضاً له دور
وزوجته كان لها دور!!
كما أن بزوغ نجمه كان في وقت غير موجود فيه إنجليزي آخر من الممكن أن
أن ينافسه في مكانته، فلم يكن هناك جيرارد الذي نعرف
والعبرة بمن سبق في كثير من الأحيان كما يقولون
***
أما هنري فهو من وجهة نظري أنه أكثر اللاعبين تعرضاً لسوء الحظ وليس الظلم
فهذا اللاعب لا ينكر الموهبة التي تلف أقدامه إلا جاحد
وجده واجتهاده لا يرائي فيه أحد..
ولكنه بدوره يشبه بطل قصة"رجل ليس هذا الزمان"
حظ هنري السيئ أجبره دوماً أن يكون دوماً من تلك الكواكب السيارة التي تدور في فلك نجم معين
عام1998 شهدت الانطلاقة الحقيقية لهذا اللاعب، وفرنسا حازت على الكأس
ولكن…كان هناك زيدان
وعندما وصل هذا اللاعب إلى قمة المستوى قبل ثلاث سنوات من الآن
كان هناك رونالدينهو..
لو لم يكن زيدان ولا رونالدينهو-اللذان يتفوقان قطعاً عليه-
لكان من الممكن أن يكون هناك هنري
***
هذا استفاضة طويلة ومملة لمعايير النجومية من المؤكد أنها ينقصها أفكار أخرى
فلن تخلو جعبة المفهوم العام للنجومية من إمكانات أخرى
ربما يدخل الإعلام أحياناً..أو الذكاء الاجتماعي(الوجداني) في أوقات..والبطولات والإنجازات وغيرها..
كل هؤلاء يتسللون فتكون لهم تحويرات في مسار النجومية والأفضلية للاعبين والنجوم
ولكن كل هؤلاء لا يمكن أن يكون لهم أي معنى دون المعيارين الأساسيين
الموهبة والاجتهاد
وفي كل الأحوال يظل النجم نجماً يعرفه الناس بفطرتهم
فهو وحده من يستطيع أن يتسلل إلى حصون قلوبهم
فيأسرها قبل أن يدكها
فينتزع الآهات والتنهيدات منهم رضاً بما يصنع
وبضاعته في التسلل اثنتان
ليست خفته ولا جرأته
بل
موهبته وعرقه
الاثنين
02/07/2007
الساعة السابعة والنصف مساءً.